Super User

المجلس الخامس من مجالس شَهر رمضان (فضل تلاوة القرآن)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

تِلاوةُ كتَابِ اللهِ عَلَى نوعين: تلاوةٌ حكميَّةٌ وهي تَصْدِيقُ أخبارِه وتَنْفيذُ أحْكَامِهِ بِفِعْلِ أوامِرِهِ واجتناب نواهيه

والنوعُ الثاني: تلاوة لفظَّيةٌ، وهي قراءتُه.

عن عائشة-رضي الله عنها-أنَّ النبي-صلى الله عليه وسلّم-قال:«الماهرُ بالقرآن مع السَّفرةِ الكرامِ البررة،والذي يقرأ القرآنَ ويتتعتعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجرانِ». والأجرانِ أحدُهُما على التلاوةِ، والثَّاني على مَشقَّتِها على القارئ

وعن أبي موسى الأشْعَريِّ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلّم- قالَ: «مثلُ المؤمنِ الَّذِي يقرأ القرآنَ مَثَلُ الأتْرُجَّةِ ريحُها طيبٌ وطعمُها طيّبٌ، ومثَلُ المؤمِن الَّذِي لاَ يقرَأ القرآنَ كمثلِ التمرة لا ريحَ لها وطعمُها حلوٌ»

إخواني: هذه فضائِل قِراءةِ القُرآنِ، وهذا أجْرُه لمن احتسب الأجرَ مِنَ الله والرِّضوان، أجورٌ كبيرةٌ لأعمالٍ يسيرةٍ، فالمَغْبونُ منْ فرَّط فيه، والخاسرُ مَنْ فاتَه الرِبْحُ حين لا يمكنُ تَلافِيه، وهذه الفضائلُ شاملةٌ لجميع القرآنِ.

وَقَدْ وردت السُّنَّةُ بفضائل سُورٍ معينةٍ مخصصةٍ

فاجْتهدوا إخواني في كثرةِ قراءةِ القرآنِ المباركِ لا سيَّما في هذا الشهرِ الَّذِي أنْزل فيه فإنَّ لكثْرة القراءةِ فيه مزيَّةً خاصةً.

وكان السَّلفُ الصالحُ -رضي الله عنهم- يُكثِرون من تلاوةِ القرآنِ في رمضانَ في الصلاةِ وغيرها.

كان الزُّهْرِيُّ -رحمه الله- إذا دخلَ رمضانُ يقول إنما هو تلاوةُ القرآنِ وإطْعَامُ الطَّعامِ.

وكان مالكٌ -رحمه الله- إذا دخلَ رمضانُ تركَ قراءةَ الحديثِ وَمَجَالسَ العلمِ وأقبَل على قراءةِ القرآنِ من المصْحف.

وكان قتادةُ رحمه الله يخْتِم القرآنَ في كلِّ سبعِ ليالٍ دائماً وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ وفي العشْرِ الأخير منه في كلِّ ليلةٍ.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الرابع من مجالس شَهر رمضان (في حُكم قيام رمضان)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

امْتدَحَ الله في كتابِهِ القَائمينَ في صلاة الليل، فقال سبحانهُ {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}

وقال النبيُّ-صلى الله عليه وسلّم-: "أفضل الصلاةِ بَعْد الفريضةِ صلاةُ الليل"

ومن صلاة اللَّيل الوترُ أقلُّه ركعةٌ وأكثرهُ إحدَى عشرةَ ركعةً.

وصلاةُ الليل في رمضانَ لها فضيلةٌ ومزيَّةٌ على غيرها لقول النبي-صلى الله عليه وسلّم-: «مَنْ قَام رمضانَ إِيْماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ»، ومعنى قوله: «إِيْماناً» أي: إيماناً بالله وبما أعدَّه من الثوابِ للقائِمينَ، ومعنى قوله: «احتساباً» أي: طلباً لثَوابِ الله لم يَحْمِله على ذلك رياءٌ ولاَ سمعة ولا طلبُ مالٍ ولاَ جاهٍ.

وقيام رمضان شاملٌ للصَّلاةِ في أولِ اللَّيل وآخرِهِ.

وعلى هَذَا فالتَّراويحُ منْ قِيام رمضانَ: فينْبغِي الحرْصُ عليها والاعتناءُ بها واحتسابُ الأجْرِ والثوابِ مِنَ اللهِ عَلَيْهَا، وما هِيَ إلاَّ لَيالٍ مَعْدودةٌ ينْتهزُها المؤمنُ العاقلُ قبل فوَاتِها.

وإنما سُمِّيَتْ تراويحَ لأن الناسَ كانُوا يُطِيلونَها جدَّاً فكلما صَلَّوا أربَعَ رَكْعَاتٍ استراحُوا قليلاً.

واختَلَفَ السَّلفُ الصَّالحُ في عدد الركعاتِ في صلاةِ التَّراويحِ والْوترِ مَعَهَا.

وأرجح هذه الأقوال أنها إحدى عشرةَ أو ثلاثَ عشرةَ، فقد سُئلت عائشةَ -رضي الله عنها- كيفَ كانتْ صلاةُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلّم- في رمضان؟ فقالت: «ما كانَ يزيدُ في رمضانَ ولا غيرِه على إحْدى عَشرةَ رِكعةً»

ولا ينبغي للرَّجل أنْ يتخلَّفَ عن صلاةِ التَّراويِح، لينالَ ثوابها وأجْرَها، ولا ينْصرفْ حتى ينتهي الإِمامُ منها ومِن الوترِ ليحصل له أجْرُ قيام الليل كلَّه.

ويجوز للنِّساءِ حُضورُ التراويحِ في المساجدِ إذا أمنتِ الفتنةُ منهنَّ وبهنَّ لقولِ النبيِّ-صلى الله عليه وسلّم-: «لا تَمْنعوا إماءَ الله مساجدَ الله»

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الثالث من مجالس شَهر رمضان (في حُكم صيام رمضان)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

وأجْمَعَ المسلمونَ على فرضيَّةِ صوم رمضان إجْمَاعاً قَطْعياً معلوماً بالضَّرُورةِ منِ دينِ الإِسْلامِ فمَنْ أنكر وجوبَه فقد كفَر، فيُستتاب فإن تابَ وأقرَّ بِوُجوبِه وإلاَّ قُتِلَ كَافراً مُرتَدَّاً عن الإِسلامِ لا يُغسَّلُ، ولاَ يُكَفَّنُ، ولاَ يُصَلَّى عليه، ولا يُدعَى له بالرَّحْمةِ، ولا يُدْفَنُ في مَقَابِر المسلمين، وإنما يُحْفَر له بعيداً فِي مَكانٍ ويُدفنُ؛ لئلا يُؤْذي الناس بِرائِحَتِهِ، ويتأذى أهْلُه بِمُشَاهَدَته.

فُرِضَ صِيامُ رمضانَ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ، فصامَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلّم- تِسع سِنين، وكان فرض الصيَّام على مَرْحَلَتَيْن:

المَرْحَلةُ الأوْلَى: التَّخيير بَيْنَ الصيامِ والإِطعامِ مَعَ تفضيلِ الصيامِ عليهِ،المَرْحَلةُ الثانيةُ: تعيينُ الصيامِ بدون تخْييرٍ.

وإذا أُعلنَ ثبوتُ الشهرِ من قِبَلِ الحكومةِ ،وجَبَ العملُ بذلك في دخولِ الشَّهْرِ وخروجه في رمضانَ أوْ غيرهِ؛ لأنَّ إعلانَه مِن قِبَل الحكومةِ حُجَّةٌ شرعيَّةٌ يجبُ العملُ بها.

ولذلك أمر النبي-صلى الله عليه وسلّم-بلالاً أنْ يؤذِّنَ في الناسِ مُعلناً ثبوتَ الشهرِ ليصُوموا حينَ ثَبَتَ عنده-صلى الله عليه وسلّم- دخولُهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ الإِعْلامَ مُلزِماً لهم بالصيامِ.

وتبيّن بما جاء في الأحاديث: أنَّه لا يصامُ رمضانُ قبل رُؤْيَةِ هلالهِ، فإن لمْ يُرَ الهلالُ أُكْمِلَ شعبانُ ثلاثين يوماً

ولاَ يُصام يومُ الثلاثينَ منه سواءٌ كانتِ الليلةُ صحواً أم غيماً لقول عمار بن ياسرٍ -رضي الله عنه-: "مَنْ صَامَ اليومَ الَّذي يشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسمِ صلى الله عليه وسلّم".

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الثَاني من مجالس شَهر رمضان (فضل الصّيام)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

مِنْ فضائِلِ الصومِ أنَّ اللهَ كتبَه على جميعِ الأُمم وَفَرَضَهُ عَلَيْهم ، قال الله تعالى{يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتب على الذين من قبلكم} ولَوْلاَ أنَّه عبادةٌ عظيمةٌ لاَ غِنَى لِلْخلقِ عن التَّعَبُّد بها للهِ وعما يَتَرَتَّب عليها مِنْ ثوابٍ ما فَرَضَهُ الله عَلَى جميعِ الأُمَمِ.

ومِنْ فضائل الصومِ في رَمضانَ أنَّه سببٌ لمغفرة الذنوبِ وتكفيرِ السيئاتِ،فعن النبيَّ -صلى الله عليه وسلّم- قَالَ: "مَنْ صَامَ رمضان إيماناً واحْتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدَّم مِن ذنبه" يعني: إيماناً باللهِ ورضاً بفرضيَّةِ الصَّومِ عليهِ واحتساباً لثَوابه وأجرهِ،لم يكنْ كارِهاً لفرضهِ ولا شاكّاً فيَ ثوابه وأجرهِ،فإن الله يغْفِرُ له ما تقدَم من ذنْبِه.

ومِنْ فضائِل الصوم أنَّ ثوابَه لا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ مُعيَّنٍ بل يُعطَى الصائمُ أجرَه بغير حسابٍ. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-"كُلُّ عملِ ابنِ آدمَ لَهُ يُضَاعفُ الحَسَنَة بعَشرِ أمثالِها إلى سَبْعِمائِة ضِعْفٍ، قَالَ الله تعالى إِلاَّ الصَومَ فإِنه لِي وأَنَا أجْزي به يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي"، وهذا الحديث يدلّ على فضيلة الصوم من عدّة وجوه:-

منها:أنّ الله اختصَّ لنفسه الصوم من بين سائرِ الأعمال، وذلك لِشرفِهِ عنده، ومحبَّتهِ له، وظهور الإِخلاصِ له سبحانه فيه،لأنه سِرُّ بَيْن العبدِ وربِّه لا يطَّلعُ عليه إلاّ الله.

ومنها:أن الله قال في الصوم:"وأَنَا أجْزي بهِ"فأضافَ الجزاءَ إلى نفسه الكريمةِ؛ لأنّ الأعمالَ الصالحةَ يضاعفُ أجرها بالْعَدد،أمَّا الصَّوم فإِنَّ اللهَ أضافَ الجزاءَ عليه إلى نفسه من غير اعتبَار عَددٍ.

ومنها: أن الصَّومَ جُنَّةٌ:أي وقايةٌ وستْرٌ يَقي الصَّائِمَ من اللَّغوِ والرَّفثِ،ويقيهِ من النَّار ولذلك قال: "فإِذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفُثْ وَلاَ يَصْخبْ"

ومنها:أن للصائِمِ فرْحَتينْ: فَرحَةً عند فِطْرِهِ، وفَرحةً عنْد لِقاءِ ربِّه.

أمَّا فَرحُهُ عند فِطْرهِ فيَفرَحُ بِمَا أنعمَ الله عليه مِنَ القيام بعبادِة الصِّيام،وأمَّا فَرَحهُ عنْدَ لِقَاءِ ربِّه فَيَفْرَحُ بِصَوْمِهِ حين يَجِدُ جَزاءَه عند الله تعالى مُوفَّراً كاملاً في وقتٍ هو أحوجُ ما يكون إِلَيْهِ حينَ يُقالُ":أينَ الصائمون ليَدْخلوا الجنَّةَ من بابِ الرَّيَّانِ الَّذِي لاَ يَدْخله أحدٌ غيرُهُم".
إخْوانِي: فضائلُ الصوم لا تدركُ حَتَّى يَقُومَ الصائم بآدابه، فاجتهدوا في إتقانِ صيامِكم وحفظِ حدوده، وتوبوا إلى ربكم من تقصيركم في ذلك.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الأول: (خمسُ خصال في رمضان)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

جاء في الحديث عن أبي هريرة-رضيَ الله عنه- ذكرُ النبي -صلى الله عليه وسلّم- خمس خصال في رمضان خصّ الله بها هذه الأمّة وادّخرها لهم :-

الخصلةُ الأولى:أن خُلْوفَ فَمِ الصائِم أطيبُ عند الله مِنْ ريحِ المسك،فهيَ رائحةٌ مسْتَكْرَهَةٌ عندَ النَّاس لَكِنَّها عندَ اللهِ أطيبُ من رائحَةِ المِسْك لأنَها نَاشِئَةٌ عن عبادة الله وَطَاعَتهِ. وكُلُّ ما نَشَأَ عن عبادته وطاعتهِ فهو محبوبٌ عِنْدَه سُبحانه يُعَوِّضُ عنه صاحِبَه ما هو خيرٌ وأفْضَلُ وأطيبُ.

الخصلةُ الثانية:أنّ الملائكةَ تستغفرُ لَهُمْ حَتَّى يُفْطروا،وَالملائِكةُ عبادٌ مُكْرمُون،فهم جَديْرُون بأن يستجيبَ الله دُعاءَهم للصائمينَ حيث أذِنَ لهم به. وإنّما أذِن الله لهم بالاستغفارِ للصائمين مِنْ هذه الأُمَّةِ تَنْويهاً بشأنِهم،ورفْعَةً لِذِكْرِهِمْ، وَبَياناً لفَضيلةِ صَوْمهم.

الخصلةُ الثالثة: أن الله يُزَيِّنُ كلَّ يوم جنَّتَهُ ويَقول: «يُوْشِك عبادي الصالحون أن يُلْقُوا عنهُمُ المَؤُونة والأَذَى ويصيروا إليك» فَيُزَيِّن تعالى جنته كلَّ يومٍ تَهْيئَةً لعبادِهِ الصالحين، وترغيباً لهم في الوصولِ إليهَا.

الخِصلةُ الرابعة: أن مَرَدةَ الشياطين يُصَفَّدُون بالسَّلاسِل والأغْلالِ فلا يَصِلُون ،إِلى ما يُريدونَ من عبادِ اللهِ الصالِحِين من الإِضلاَلِ عن الحق، والتَّثبِيطِ عن الخَيْر،ولِذَلِكَ تَجدُ عنْدَ الصالِحِين من الرَّغْبةِ في الخَيْرِ والعُزُوْفِ عَن الشَّرِّ في هذا الشهرِ أكْثَرَ من غيره.

الخِصلةُ الخامسة:أن الله يغفرُ لأمةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلّم- في آخرِ ليلةٍ منْ هذا الشهر إذا قَاموا بما يَنْبَغِي أن يقومُوا به في هذا الشهر المباركِ من الصيام والقيام تفضُّلاً منه سبحانه.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

كل عام و أنتم بخير

 
يتقدم الموقع الإسللامي الطبي بأسمى التهاني للأمة العربية و الإسلامية 
بمناسبة حلول
شهر رمضان المبارك
أعاده الله علينا و عليكم بالسلامة و الإسلام و اليمن و البركات

 

 

وظائف شهر شعبان - المجلس الثالث في صيام آخر شعبان

ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟ قال: لا قال: فإذا أفطرت فصم يومين" وفي رواية للبخاري أظنه يعني رمضان وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري: "هل صمت من سرر شعبان شيئا" وفي رواية: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه" وفي رواية: "يوما أو يومين" شك شعبة وروي: "من سرار الشهر".

وقد اختلف في تفسير السرار والمشهور إنه آخر الشهر يقال: سرار الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ذكره ابن السكيت وغيره وقيل: إن الفتح أفصح قاله الفراء وسمي آخر الشهر سرارا: لاسترار القمر فيه وممن فسر السرار بآخر الشهر أبو عبيد وغيره من الأئمة وكذلك بوب عليه البخاري صيام آخر الشهر.

وأشكل هذا على كثير من العلماء في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صوما فليصمه" فقال كثير من العلماء كأبي عبيد ومن تابعه كالخطابي وأكثر شراح الحديث: أن هذا الرجل الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن له عادة بصيامه أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه وقالت طائفة: حديث عمران يدل على أنه يجوز صيام يوم الشك وآخر شعبان مطلقا سواء وافق عادة أو لم يوافق وإنما ينهى عنه إذا صامه بنية الرمضانية احتياطا وهذا مذهب مالك وذكر أنه القول الذي أدرك عليه أهل العلم حتى قال محمد بن مسلمة من أصحابه: يكره الأمر بفطره لئلا يعتقد وجوب الفطر قبل الشهر كما وجب بعده.

وحكى ابن عبد البر هذا القول عن أكثر علماء الأمصار وذكر محمد بن ناصر الحافظ: إن هذا هو مذهب أحمد أيضا وغلط في نقله هذا عن أحمد ولكن يشكل على هذا الحديث أبي هريرة رضي الله عنه وقوله: "إلا من كان يصوم صوما فليصمه" وقد ذكر الشافعي في كتاب مختلف الحديث احتمالا في معنى قوله: "إلا من كان يصوم صوما فليصمه" وفي رواية: "إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم" أن المراد بموافقة العادة صيامه على عادة الناس في التطوع بالصيام دون صيامه بنية الرمضانية للاحتياط.

وقالت طائفة: سر الشهر: أوله.

وخرج أبو داود في باب تقدم رمضان من حديث معاوية أنه قال: إني متقدم الشهر فمن شاء فليتقدم فسئل عن ذلك فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "صوموا الشهر وسره" ثم حكى أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: أن سر الشهر: أوله قال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه وفرق الأزهري بين سرار الشهر وسره فقال: سراره وسرره آخره وسره وسطه وهي أيام البيض وسر كل شيء جوفه.

وفي رواية لمسلم في حديث عمران بن حصين المذكور: "هل صمت من سرة هذا الشهر" وفسر ذلك: بأيام البيض قلت: لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوله لأن أول الشهر يشتهر فيه الهلال ويرى من أول الليل ولذلك سمى الشهر شهرا لاشتهاره وظهوره فتسمية ليالي الإشتهار ليالي السرار قلب للغة والعرف وقد أنكر العلماء ما حكاه أبو داود عن الأوزاعي منهم الخطابي وروى بإسناده عن الوليد عن الأوزاعي قال: سر الشهر: آخره وقال الهروي: المعروف أن سر الشهر آخره وفسر الخطابي حديث معاوية: "صوموا الشهر وسره" بأن المراد بالشهر الهلال فيكون المنى صوموا أول الشهر وآخره فلذلك أمر معاوية بصيام آخر الشهر.

قلت: لما روى معاوية: "صوموا الشهر وسره" وصام آخر الشهر علم أنه فسر السر بالآخر والأظهر أن المراد بالشهر شهر رمضان كله والمراد بسره آخر شعبان كما في رواية البخاري في حديث عمران أظنه يعني رمضان وأضاف السرر إلى رمضان وإن لم يكن منه كما سمى رمضان شهر عيد وإن كان العيد ليس منه لكنه يعقبه فدل حديث عمران وحديث معاوية على استحباب صيام آخر شعبان وإنما أمر بقضائه في أول شوال لأن كلا من الوقتين صيام يلي شهر رمضان فهو ملتحق برمضان في الفضل فمن فاته ما قبله صامه فيما بعده كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان وندب إلى صيام شوال.

وإنما يشكل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إلا من له عادة أو من كان يصوم صوما وأكثر العلماء على أنه نهى عن التقدم إلا من كانت له عادة بالتطوع فيه وهو ظاهر الحديث ولم يذكر أكثر العلماء في تفسيره بذلك اختلافا وهو الذي اختاره الشافعي في تفسيره ولم يرجح ذلك الإحتمال المتقدم وعلى هذا فيرجح حديث أبي هريرة على حديث عمران فإن حديث أبي هريرة فيه نهي عام للأمة عموما فهو تشريع عام للأمة فيعمل به وأما حديث عمران فهي قضية عين في حق رجل معين فيتعين حمله على صورة صيام لا ينهى عن التقدم به جمعا بين الحدثين وأحسن ما حمل عليه: أن هذا الرجل الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم منه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم شعبان أو أكثره موافقة لصيام النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد أفطر فيه بعضه فسأله عن صيام آخره فلما أخبره أنه لم يصم آخره أمره بأن يصوم بدله بعد يوم الفطر لأن صيام أول شوال كصيام آخر شعبان وكلاهما حريم لرمضان وفيه دليل على استحباب قضاء ما فات من التطوع بالصيام وأن يكون في أيام مشابهة للأيام التي فات فيها الصيام في الفضل وفيه دليل على أنه يجوز لمن صام شعبان أو أكثره أن يصله برمضان من غير فصل بينهما.

فصيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يصوم بنية الرمضانية احتياطا لرمضان فهذا منهي عنه وقد فعله بعض الصحابة وكأنهم لم يبلغهم النهي عنه وفرق ابن عمر بين يوم الغيم والصحو في يوم الثلاثين من شعبان وتبعه الإمام أحمد.

والثاني: أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك فجوزه الجمهور ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم مطلقا وهم طائفة من السلف وحكي كراهته أيضا عن أبي حنيفة والشافعي وفيه نظر.

والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر منهم الحسن وإن وافق صوما كان يصومه ورخص فيه مالك ومن وافقه وفرق الشافعي والأوزاعى وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا وكذلك يفرق بين صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان فلا يكره أيضا إلا عند من كره الإبتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان فإنه ينهى عنه إلا أن يبتدىء الصيام قبل النصف ثم يصله برمضان.

وفي الجملة فحديث أبي هريرة هو المعمول به في هذا الباب عند كثير من العلماء وانه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين لمن ليس له به عادة ولا سبق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره.

ولكراهة التقدم ثلاثة معان:

أحدها: أنه على وجه الإحتياط لرمضان فينهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم وخرج الطبراني وغيره عن عائشة رضي الله عنه قالت: إن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}[الحجرات: ١]قالت عائشة: إنما الصوم صوم الناس والفطر فطر الناس ومع هذا فكان من السلف من يتقدم للإحتياط والحديث حجة عليه.

ولهذا نهي عن صيام يوم الشك قال عمار: من صامه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ويوم الشك هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو غيره فكان من المتقدمين من يصومه احتياطا ورخص فيه بعض الحنفية للعلماء في أنفسهم خاصة دون العامة لئلا يعتقدوا وجوبه بناء على أصلهم في أن صوم رمضان يجزىء بنية الصيام المطلق والنفل ويوم الشك هو الذي تحدث فيه برؤيته من لم يقبل قوله فأما يوم الغيم فمن العلماء من جعله يوم شك ونهى عن صيامه وهو قول الأكثرين ومنهم من صامه احتياطا وهو قول ابن عمر وكان الإمام أحمد يتابعه على ذلك وعنه في صيامه ثلاث روايات مشهورات ثالثها لا يصام إلا مع الإمام وجماعة المسلمين لئلا يقع الإفتيات عليهم والإنفراد عنهم وقال اسحاق: لا يصام يوم الغيم ولكم يتلوم بالأكل فيه إلى ضحوة النهار خشية أن يشهد برؤيته بخلاف حال الصحو فإنه يأكل فيه من غدوة.

والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع ولهذا حرم صيام يوم العيد ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام وخصوصا سنة الفجر قبلها فإنه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة ولهذا يشرع صلاتها في البيت والإضطجاع بعدها.

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر: "الصبح أربعا" وفي المسند: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "افصلوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر" وفي سنن أبي داود: إن رجلا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما سلم قام يشفع فوثب إليه عمر فأخذ بمنكبيه فهزه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن لصلاتهم فصل فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب" ومن علل بهذا فمنهم من كره وصل صوم شعبان برمضان مطلقا وروي عن ابن عمر قال: لو صمت الدهر كله لأفطرت الذي بينهما وروي فيه حديث مرفوع لا يصح والجمهور على جواز صيام ما وافق عادة لأن الزيادة إنما تخشى إذا لم يعرف سبب الصيام.

والمعنى الثالث: إنه أمر بذلك للتقوي على صيام رمضان فإن مواصلة الصيام قد تضعف عن صيام الفرض فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان وفي هذا التعليل نظر فإنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك ولا لمن صام الشهر كله وهو أبلغ في معنى الضعف لكن الفطر بنية التقوي لصيام رمضان حسن لمن أضعفه مواصلة الصيام كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يسرد الفطر أحيانا ثم يسرد الصوم ليتقوى بفطره على صومه ومنه قول بعض الصحابة إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي وفي الحديث المرفوع: "الطاعم الشاكر كالصائم الصابر" خرجه الترمذي وغيره ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل وتسمى تنحيسا واشتقاقه من الأيام النحسات ومن قال: هو تنهيس بالهاء فهو خطأ منه ذكره ابن درستويه النحوي وذكر أن أصل ذلك متلقى من النصارى فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه وربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة بل يتعدى إلى المحرمات وهذا هو الخسران المبين وأنشد لبعضهم:

إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار

وقال آخر.

جاء شعبان منذرا بالصيام ... فاسقياني راحا بماء الغمام

ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه وله نصيب من قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا}[لأعراف: ١٧٩]الآية وربما كره كثير منهم صيام رمضان حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة:

دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر

فلو كان يعديني الأنام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر

فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ومات قبل أن يدركه رمضان آخر وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان فيطول عليه ويشق على نفسه مفارقتها لمألوفها فهو يعد الأيام والليالي ليعودوا إلى المعصية وهؤلاء مصرون على ما فعلوا وهم يعلمون فهم هلكى ومنهم من لا يصبر على المعاصي فهو يواقعها في رمضان.

وحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة وقد رويت من وجوه وهو أنه كان مصرا على شرب الخمر فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنورا فحملها فألقاها في التنور فاحترقت وكان بعد ذلك قد تاب وتعبد فرؤي له في النوم أن الله قد غفر للحاج كلهم سواه فمن أراد الله به خيرا حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فصار من الراشدين ومن أراد به شر خلى بينه وبين نفسه فاتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين.

الحذر الحذر من المعاصي فكم سلبت من نعم وكم جلبت من نقم وكم خربت من ديار وكم أخلت ديارا من أهلها فما بقي منهم ديار كم أخذت من العصاة بالثار كم محت لهم من آثار.

يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه ... عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر

فكل نفس ستجزى بالذي كسبت ... وليس للخلق من ديانهم وزر

أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ليلهم قيام ونهارهم صيام.

باع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها فسألتهم فقالوا نتهيأ لصيام رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني عليهم.

باع الحسن بن صالح جارية له فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار الصلاة الصلاة قالوا: طلع الفجر؟ قالت: أنتم لا تصلون إلا المكتوبة ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني قال بعض السلف: صم الدنيا واجعل فطرك الموت الدنيا كلها شهر صيام المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.

وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي

من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته وشاهد ذلك قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}[الاحقاف: ٢٠]الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".

أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك

واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك

وليكن فطرك عند الله ... في يوم وفاتك

في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا: "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها" وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما خرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه يقول: "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان.

وفي حديث آخر: "أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحبا به وأهلا".

جاء شهر الصيام بالبركات ... فأكرم به من زائر هو آت

وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ببلوغ رمضان فكان إذا دخل رجب يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" خرجه الطبراني وغيره من حديث أنس قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم وقال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا.

بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما فرؤي في المنام سابقا لهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة وأدرك رمضان فصامه؟! فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض" خرجه الإمام أحمد وغيره من رحم في رمضان فهو المرحوم ومن حرم خيره فهو المحروم ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم.

أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد

فأد حقوقه قولا وفعلا ... وزادك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادما يوم الحصاد

يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يربح.

أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى

أساؤا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا

فإن عادوا لنا عدنا ... وإن خانوا فما خنا

فإن كانوا قد استغنوا ... فإنا عنهم أغنا

كم ينادي حي على الفلاح وأنت خاسر كم تدعى إلى الصلاح وأنت على الفساد مثابر.

إذا رمضان أتى مقبلا ... فاقبل فبالخير يستقبل

لعلك تخطئه قابلا ... وتأتي بعذر فلا يقبل

كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله صار قبله إلى ظلمة القبر كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومؤمل غدا لا يدركه إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.

خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها فقال فيها: إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وإن لكم معادا ينزل الله فيه للفصل بين عباده فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السموات والأرض ألا ترون إنكم في أسلاب الهالكين وسيرتها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب غنيا عما خلف فقيرا إلى ما أسلف فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي ولكن أستغفر الله وأتوب إليه ثم رفع طرف ردائه وبكى حتى شهق ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه.

يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبان

لقد أظلك شهر الصوم بعدهما ... فلا تصيره أيضا شهر عصيان

واتل القرآن وسبح فيه مجتهدا ... فإنه شهر تسبيح وقرآن

فاحمل على جسد ترجو النجاة له ... فسوف تضرم أجساد بنيران

كم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهل وجيران وإخوان

أفناهم الموت واستبقاك بعدهم ... حيا فما أقرب القاصي من الداني

ومعجب بثياب العيد يقطعها ... فأصبحت في غد أثواب أكفان

حتى يعمر الإنسان مسكنه ... مصير مسكنه قبر لإنسان

 

* كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ط ابن حزم

 

 

وظائف شهر شعبان - المجلس الثاني في نصف شعبان

خرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان" وصححه الترمذي وغيره واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به: فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر منهم الرحمن بن المهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه ورده بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين" فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين وقال الأثرم الأحاديث كلها تخالفه يشير كلها تخالفه يشير إلى أحاديث صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذا مخالفا للأحاديث الصحيحة وقال الطحاوي هو منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به وقد أخذ آخرون منهم الشافعي وأصحابه ونهو عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا ثم اختلفوا في علة النهي فمنهم من قال: خشية أن يزاد في شهر رمضان ما ليس منه وهذا بعيد جدا فيما بعد النصف وإنما يحتمل هذا في التقديم بيوم أو يومين ومنهم من قال: النهي للتقوى على صيام رمضان شفقة أن يضعفه ذلك عن صيام رمضان وروي ذلك عن وكيع ويرد هذا صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله أو أكثره ووصله برمضان هذا كله بالصيام بعد نصف شعبان.

وأما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه ففي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلي فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث أخر متعددة وقد اختلف فيها فضعفها الأكثرون وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه ومن أمثلها حديث عائشة قال: فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت فإذا هو بالبقيع رافعا رأسه إلى السماء فقال: "أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله" فقلت يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال: " إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" خرجه الإمام أحمد والترمذي الإمام أحمد ابن ماجه وذكر الترمذي عن البخاري أنه ضعفه.

وخرج ابن ماجه من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليطلع إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن أو قاتل نفس" وخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث معاذ مرفوعا ويروى من حديث عثمان بن أبي العاص مرفوعا: "إذا كان ليلة النصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه فلا يسأل أحد شيئا إلا أعطيه إلا زانية بفرجها أو مشركا" وفي الباب أحاديث أخر فيها ضعف ويروى عن نوف البكالي أن عليا خرج ليلة النصف من شعبان فأكثر الخروج فيها ينظر إلى السماء فقال: إن داود عليه السلام خرج ذات ليلة في مثل هذه الساعة فنظر إلى السماء فقال إن هذه الساعة ما دعى الله أحد إلا أجابه ولا استغفره أحد من هذه الليلة إلا غفر له ما لم يكن عشارا أو ساحرا أو شاعرا أو كاهنا أو عريفا أو شرطيا أو جابيا أو صاحب كوبة أو غرطبة قال نوف: الكوبة الطبل والغرطبة: الطنبور اللهم رب داود اغفر لمن دعاك في هذه الليلة ولمن استغفرك فيها.

وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها وقد قيل أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قبله منهم وافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة وهو قول أصحاب مالك وغيرهم وقالوا: ذلك كله بدعة.

واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:

أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهوية على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ببدعة نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.

والثاني: أنه يكره الإجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى.

وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله إلى البصرة عليك بأربع ليال من السنة فإن الله يفرغ فيهن الرحمة إفراغا أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة الأضحى وفي صحته عنه نظر.

وقال الشافعي رضي الله عنه: بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة والعيدين وأول رجب ونصف شعبان قال: وأستحب كل ما حكيت في هذه الليالي ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين فكذلك قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام.

وروي عن كعب قال: إن الله تعالى يبعث ليلة النصف من شعبان جبريل عليه السلام إلى الجنة فيأمرها أن تتزين ويقول: إن الله تعالى قد اعتق في ليلتك هذه عدد نجوم السماء وعدد أيام الدنيا ولياليها وعدد ورق الشجر وزنة الجبال وعدد الرمال وروى سعيد بن منصور حدثنا أبو معشر عن أبي حازم ومحمد بن قيس عن عطاء بن يسار قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من ليلة النصف من شعبان ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيغفر لعباده كلهم إلا لمشرك أو مشاحن او قاطع رحم فيا من أعتق فيها من النار هنيئا لك المنحة الجسيمة ويا أيها المردود فيها جبر الله مصيبتك هذه فإنها مصيبة عظيمة.

بكيت على نفسي وحق لي البكا ... وما انا من تضييع في شك

لئن قلت أني في صنيعي محسن ... فإني في قولي لذلك ذو إفك

ليالي شعبان وليلة نصفه ... بأية حال قد تنزل لي صكي

وحق لعمري أن أديم تضرعي ... لعل إله الخلق يسمح بالفك

فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في تلك الليلة لذكر الله تعالى ودعائه بغفران الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب وأن يقدم على ذلك التوبة فإن الله تعالى يتوب فيها على من يتوب.

فقم ليلة النصف الشريف مصليا ... فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه

"فكم من فتى قد بات في النصف آمنا ... وقد نسخت فيه صحيفة حتفه

فبادر بفعل الخير قبل انقضائه ... وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه

وصم يومها لله وأحسن رجاءه ... لتظفر عند الكرب منه بلطفه

ويتعين على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة وقد روي: أنها: الشرك وقتل النفس والزنا وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله كما في حديث ابن مسعود المتفق على صحته أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم:

أي الذنب أعظم؟ قال "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خسية أن يطعم معك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تعالى ذلك: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ}[الفرقان: ٦٨]الآية ومن الذنوب المانعة من المغفرة أيضا الشحناء وهي حقد المسلم على أخيه بغضا له لهوى نفسه وذلك يمنع أيضا من المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا" وقد فسر الأوزاعي هذه الشحناء المانعة بالذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن هذه الشحناء أعظم جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا وعن الأوزاعي أنه قال المشاحن كل صاحب بدعة فارق عليها الأمة وكذا قال ابن ثوبان: المشاحن هو التارك لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الطاعن على أمته السافك دماءهم وهذا الشحناء أعني شحناء البدعة توجب الطعن على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم كبدع الخوارج والروافض ونحوهم.

فأفضل الأعمال سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها وأفضلها السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطعن على سلف الأمة وبغضهم والحقد عليهم واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين وإرادة الخير لهم ونصيحتهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وقد وصف الله تعالى المؤمنين عموما بأنهم يقولون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[الحشر: ١٠].

وفي المسند عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "ثلاثة أيام يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فيطلع رجل واحد فاستضافه عبد الله بن عمرو فنام عنده ثلاثا لينظر عمله فلم ير له في بيته كبير عمل فأخبره بالحال فقال له هو ما ترى إلا أني أبيت وليس في قلبي شيء على أحد من المسلمين فقال عبد الله: "بهذا بلغ ما بلغ" وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان" قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ لا بكثرة الإجتهاد في الصوم والصلاة.

إخواني اجتنبوا الذنوب التي تحرم العبد مغفرة مولاه الغفار في مواسم الرحمة والتوبة والإستغفار.

أما الشرك: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}[المائدة: ٧٢]وأما القتل فلو اجتمع أهل السموات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم بغير حق لأكبهم الله جميعا في النار وأما الزنا فحذار حذار من التعرض لسخط الجبار الخلق كلهم عبيد الله وإماؤه والله يغار لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته فمن أجل ذلك حرم الفواحش وأمر بغض الأبصار وأما الشحناء فيا من أضمر لأخيه السوء وقصد له الإضرار: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[٤٢]. يكفيك حرمان المغفرة في أوقات مغفرة الأوزار.

خاب عبد بارز المو ... لى بأسباب المعاصي

ويحه مما جناه ... لم يخف يوم القصاص

يوم فيه ترعد الأقـ ... دام من شيب النواصي

لي ذنوب في ازدياد ... وحياة في انتقاص

فمتى أعمل ما أعـ ... ـلم لي فيه خلاصي

وقد روي عن عكرمة وغيره من المفسرين في قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}[الدخان:٤]أنها ليلة النصف من شعبان والجمهور على أنها ليلة القدر وهو الصحيح وقال عطاء بن يسار: إذا كان ليلة النصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة فيقال: اقبض من في هذه الصحيفة فإن العبد ليغرس الغراس وينكح الأزواج ويبني البنيان وأن اسمه قد نسخ في الموتى ما ينتظر به ملك الموت إلا أن يؤمر به فيقبضه يا مغرورا بطول الأمل يا مسرورا بسوء العمل كن من الموت على وجل فما تدري متى يهجم الأجل.

كل امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله

قال بعض السلف: كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومن مؤمل غدا لا يدركه إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.

أؤمل أن أخلد والمنايا ... تدور علي من كل النواحي

وما أدري وإن أمسيت يوما ... لعلي لا أعيش إلى الصباح

"كم ممن راح في طلب الدنيا أو غدا أصبح من سكان القبور غدا".

كأنك بالمضي إلى سبيلك ... وقد جد المجهز في رحيلك

وجيء بغاسل فاستعجلوه ... بقولهم له أفرغ من غسيلك

ولم تحمل سوى كفن وقطن ... إليهم من كثيرك أو قليلك

وقد مد الرجال إليك نعشا ... فأنت عليه ممدود بطولك

"وصلوا ثم إنهم تداعوا ... لحملك من بكورك أو أصيلك

فلما أسلموك نزلت قبرا ... ومن لك بالسلامة في نزولك

أعانك يوم تدخله رحيم ... رؤوف بالعباد على دخولك

فسوف تجاور الموتى طويلا ... فذرني من قصيرك أو طويلك

أخي لقد نصحتك فاسمع لي ... وبالله استعنت على قبولك

ألست ترى المنايا كل حين ... تصيبك في أخيك وفي خليلك

 

* كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ط ابن حزم

 

 

وظائف شهر شعبان - المجلس الثالث في صيام آخر شعبان

ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟ قال: لا قال: فإذا أفطرت فصم يومين" وفي رواية للبخاري أظنه يعني رمضان وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري: "هل صمت من سرر شعبان شيئا" وفي رواية: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه" وفي رواية: "يوما أو يومين" شك شعبة وروي: "من سرار الشهر".

وقد اختلف في تفسير السرار والمشهور إنه آخر الشهر يقال: سرار الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ذكره ابن السكيت وغيره وقيل: إن الفتح أفصح قاله الفراء وسمي آخر الشهر سرارا: لاسترار القمر فيه وممن فسر السرار بآخر الشهر أبو عبيد وغيره من الأئمة وكذلك بوب عليه البخاري صيام آخر الشهر.

وأشكل هذا على كثير من العلماء في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صوما فليصمه" فقال كثير من العلماء كأبي عبيد ومن تابعه كالخطابي وأكثر شراح الحديث: أن هذا الرجل الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن له عادة بصيامه أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه وقالت طائفة: حديث عمران يدل على أنه يجوز صيام يوم الشك وآخر شعبان مطلقا سواء وافق عادة أو لم يوافق وإنما ينهى عنه إذا صامه بنية الرمضانية احتياطا وهذا مذهب مالك وذكر أنه القول الذي أدرك عليه أهل العلم حتى قال محمد بن مسلمة من أصحابه: يكره الأمر بفطره لئلا يعتقد وجوب الفطر قبل الشهر كما وجب بعده.

وحكى ابن عبد البر هذا القول عن أكثر علماء الأمصار وذكر محمد بن ناصر الحافظ: إن هذا هو مذهب أحمد أيضا وغلط في نقله هذا عن أحمد ولكن يشكل على هذا الحديث أبي هريرة رضي الله عنه وقوله: "إلا من كان يصوم صوما فليصمه" وقد ذكر الشافعي في كتاب مختلف الحديث احتمالا في معنى قوله: "إلا من كان يصوم صوما فليصمه" وفي رواية: "إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم" أن المراد بموافقة العادة صيامه على عادة الناس في التطوع بالصيام دون صيامه بنية الرمضانية للاحتياط.

وقالت طائفة: سر الشهر: أوله.

وخرج أبو داود في باب تقدم رمضان من حديث معاوية أنه قال: إني متقدم الشهر فمن شاء فليتقدم فسئل عن ذلك فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "صوموا الشهر وسره" ثم حكى أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: أن سر الشهر: أوله قال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه وفرق الأزهري بين سرار الشهر وسره فقال: سراره وسرره آخره وسره وسطه وهي أيام البيض وسر كل شيء جوفه.

وفي رواية لمسلم في حديث عمران بن حصين المذكور: "هل صمت من سرة هذا الشهر" وفسر ذلك: بأيام البيض قلت: لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوله لأن أول الشهر يشتهر فيه الهلال ويرى من أول الليل ولذلك سمى الشهر شهرا لاشتهاره وظهوره فتسمية ليالي الإشتهار ليالي السرار قلب للغة والعرف وقد أنكر العلماء ما حكاه أبو داود عن الأوزاعي منهم الخطابي وروى بإسناده عن الوليد عن الأوزاعي قال: سر الشهر: آخره وقال الهروي: المعروف أن سر الشهر آخره وفسر الخطابي حديث معاوية: "صوموا الشهر وسره" بأن المراد بالشهر الهلال فيكون المنى صوموا أول الشهر وآخره فلذلك أمر معاوية بصيام آخر الشهر.

قلت: لما روى معاوية: "صوموا الشهر وسره" وصام آخر الشهر علم أنه فسر السر بالآخر والأظهر أن المراد بالشهر شهر رمضان كله والمراد بسره آخر شعبان كما في رواية البخاري في حديث عمران أظنه يعني رمضان وأضاف السرر إلى رمضان وإن لم يكن منه كما سمى رمضان شهر عيد وإن كان العيد ليس منه لكنه يعقبه فدل حديث عمران وحديث معاوية على استحباب صيام آخر شعبان وإنما أمر بقضائه في أول شوال لأن كلا من الوقتين صيام يلي شهر رمضان فهو ملتحق برمضان في الفضل فمن فاته ما قبله صامه فيما بعده كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان وندب إلى صيام شوال.

وإنما يشكل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إلا من له عادة أو من كان يصوم صوما وأكثر العلماء على أنه نهى عن التقدم إلا من كانت له عادة بالتطوع فيه وهو ظاهر الحديث ولم يذكر أكثر العلماء في تفسيره بذلك اختلافا وهو الذي اختاره الشافعي في تفسيره ولم يرجح ذلك الإحتمال المتقدم وعلى هذا فيرجح حديث أبي هريرة على حديث عمران فإن حديث أبي هريرة فيه نهي عام للأمة عموما فهو تشريع عام للأمة فيعمل به وأما حديث عمران فهي قضية عين في حق رجل معين فيتعين حمله على صورة صيام لا ينهى عن التقدم به جمعا بين الحدثين وأحسن ما حمل عليه: أن هذا الرجل الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم منه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم شعبان أو أكثره موافقة لصيام النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد أفطر فيه بعضه فسأله عن صيام آخره فلما أخبره أنه لم يصم آخره أمره بأن يصوم بدله بعد يوم الفطر لأن صيام أول شوال كصيام آخر شعبان وكلاهما حريم لرمضان وفيه دليل على استحباب قضاء ما فات من التطوع بالصيام وأن يكون في أيام مشابهة للأيام التي فات فيها الصيام في الفضل وفيه دليل على أنه يجوز لمن صام شعبان أو أكثره أن يصله برمضان من غير فصل بينهما.

فصيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يصوم بنية الرمضانية احتياطا لرمضان فهذا منهي عنه وقد فعله بعض الصحابة وكأنهم لم يبلغهم النهي عنه وفرق ابن عمر بين يوم الغيم والصحو في يوم الثلاثين من شعبان وتبعه الإمام أحمد.

والثاني: أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك فجوزه الجمهور ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم مطلقا وهم طائفة من السلف وحكي كراهته أيضا عن أبي حنيفة والشافعي وفيه نظر.

والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر منهم الحسن وإن وافق صوما كان يصومه ورخص فيه مالك ومن وافقه وفرق الشافعي والأوزاعى وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا وكذلك يفرق بين صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان فلا يكره أيضا إلا عند من كره الإبتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان فإنه ينهى عنه إلا أن يبتدىء الصيام قبل النصف ثم يصله برمضان.

وفي الجملة فحديث أبي هريرة هو المعمول به في هذا الباب عند كثير من العلماء وانه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين لمن ليس له به عادة ولا سبق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره.

ولكراهة التقدم ثلاثة معان:

أحدها: أنه على وجه الإحتياط لرمضان فينهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم وخرج الطبراني وغيره عن عائشة رضي الله عنه قالت: إن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}[الحجرات: ١]قالت عائشة: إنما الصوم صوم الناس والفطر فطر الناس ومع هذا فكان من السلف من يتقدم للإحتياط والحديث حجة عليه.

ولهذا نهي عن صيام يوم الشك قال عمار: من صامه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ويوم الشك هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو غيره فكان من المتقدمين من يصومه احتياطا ورخص فيه بعض الحنفية للعلماء في أنفسهم خاصة دون العامة لئلا يعتقدوا وجوبه بناء على أصلهم في أن صوم رمضان يجزىء بنية الصيام المطلق والنفل ويوم الشك هو الذي تحدث فيه برؤيته من لم يقبل قوله فأما يوم الغيم فمن العلماء من جعله يوم شك ونهى عن صيامه وهو قول الأكثرين ومنهم من صامه احتياطا وهو قول ابن عمر وكان الإمام أحمد يتابعه على ذلك وعنه في صيامه ثلاث روايات مشهورات ثالثها لا يصام إلا مع الإمام وجماعة المسلمين لئلا يقع الإفتيات عليهم والإنفراد عنهم وقال اسحاق: لا يصام يوم الغيم ولكم يتلوم بالأكل فيه إلى ضحوة النهار خشية أن يشهد برؤيته بخلاف حال الصحو فإنه يأكل فيه من غدوة.

والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع ولهذا حرم صيام يوم العيد ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام وخصوصا سنة الفجر قبلها فإنه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة ولهذا يشرع صلاتها في البيت والإضطجاع بعدها.

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر: "الصبح أربعا" وفي المسند: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "افصلوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر" وفي سنن أبي داود: إن رجلا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما سلم قام يشفع فوثب إليه عمر فأخذ بمنكبيه فهزه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن لصلاتهم فصل فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب" ومن علل بهذا فمنهم من كره وصل صوم شعبان برمضان مطلقا وروي عن ابن عمر قال: لو صمت الدهر كله لأفطرت الذي بينهما وروي فيه حديث مرفوع لا يصح والجمهور على جواز صيام ما وافق عادة لأن الزيادة إنما تخشى إذا لم يعرف سبب الصيام.

والمعنى الثالث: إنه أمر بذلك للتقوي على صيام رمضان فإن مواصلة الصيام قد تضعف عن صيام الفرض فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان وفي هذا التعليل نظر فإنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك ولا لمن صام الشهر كله وهو أبلغ في معنى الضعف لكن الفطر بنية التقوي لصيام رمضان حسن لمن أضعفه مواصلة الصيام كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يسرد الفطر أحيانا ثم يسرد الصوم ليتقوى بفطره على صومه ومنه قول بعض الصحابة إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي وفي الحديث المرفوع: "الطاعم الشاكر كالصائم الصابر" خرجه الترمذي وغيره ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل وتسمى تنحيسا واشتقاقه من الأيام النحسات ومن قال: هو تنهيس بالهاء فهو خطأ منه ذكره ابن درستويه النحوي وذكر أن أصل ذلك متلقى من النصارى فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه وربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة بل يتعدى إلى المحرمات وهذا هو الخسران المبين وأنشد لبعضهم:

إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار

وقال آخر.

جاء شعبان منذرا بالصيام ... فاسقياني راحا بماء الغمام

ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه وله نصيب من قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا}[لأعراف: ١٧٩]الآية وربما كره كثير منهم صيام رمضان حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة:

دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر

فلو كان يعديني الأنام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر

فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ومات قبل أن يدركه رمضان آخر وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان فيطول عليه ويشق على نفسه مفارقتها لمألوفها فهو يعد الأيام والليالي ليعودوا إلى المعصية وهؤلاء مصرون على ما فعلوا وهم يعلمون فهم هلكى ومنهم من لا يصبر على المعاصي فهو يواقعها في رمضان.

وحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة وقد رويت من وجوه وهو أنه كان مصرا على شرب الخمر فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنورا فحملها فألقاها في التنور فاحترقت وكان بعد ذلك قد تاب وتعبد فرؤي له في النوم أن الله قد غفر للحاج كلهم سواه فمن أراد الله به خيرا حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فصار من الراشدين ومن أراد به شر خلى بينه وبين نفسه فاتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين.

الحذر الحذر من المعاصي فكم سلبت من نعم وكم جلبت من نقم وكم خربت من ديار وكم أخلت ديارا من أهلها فما بقي منهم ديار كم أخذت من العصاة بالثار كم محت لهم من آثار.

يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه ... عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر

فكل نفس ستجزى بالذي كسبت ... وليس للخلق من ديانهم وزر

أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ليلهم قيام ونهارهم صيام.

باع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها فسألتهم فقالوا نتهيأ لصيام رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني عليهم.

باع الحسن بن صالح جارية له فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار الصلاة الصلاة قالوا: طلع الفجر؟ قالت: أنتم لا تصلون إلا المكتوبة ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني قال بعض السلف: صم الدنيا واجعل فطرك الموت الدنيا كلها شهر صيام المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.

وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي

من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته وشاهد ذلك قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}[الاحقاف: ٢٠]الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".

أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك

واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك

وليكن فطرك عند الله ... في يوم وفاتك

في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا: "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها" وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما خرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه يقول: "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان.

وفي حديث آخر: "أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحبا به وأهلا".

جاء شهر الصيام بالبركات ... فأكرم به من زائر هو آت

وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ببلوغ رمضان فكان إذا دخل رجب يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" خرجه الطبراني وغيره من حديث أنس قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم وقال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا.

بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما فرؤي في المنام سابقا لهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة وأدرك رمضان فصامه؟! فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض" خرجه الإمام أحمد وغيره من رحم في رمضان فهو المرحوم ومن حرم خيره فهو المحروم ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم.

أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد

فأد حقوقه قولا وفعلا ... وزادك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادما يوم الحصاد

يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يربح.

أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى

أساؤا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا

فإن عادوا لنا عدنا ... وإن خانوا فما خنا

فإن كانوا قد استغنوا ... فإنا عنهم أغنا

كم ينادي حي على الفلاح وأنت خاسر كم تدعى إلى الصلاح وأنت على الفساد مثابر.

إذا رمضان أتى مقبلا ... فاقبل فبالخير يستقبل

لعلك تخطئه قابلا ... وتأتي بعذر فلا يقبل

كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله صار قبله إلى ظلمة القبر كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومؤمل غدا لا يدركه إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.

خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها فقال فيها: إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وإن لكم معادا ينزل الله فيه للفصل بين عباده فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السموات والأرض ألا ترون إنكم في أسلاب الهالكين وسيرتها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب غنيا عما خلف فقيرا إلى ما أسلف فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي ولكن أستغفر الله وأتوب إليه ثم رفع طرف ردائه وبكى حتى شهق ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه.

يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبان

لقد أظلك شهر الصوم بعدهما ... فلا تصيره أيضا شهر عصيان

واتل القرآن وسبح فيه مجتهدا ... فإنه شهر تسبيح وقرآن

فاحمل على جسد ترجو النجاة له ... فسوف تضرم أجساد بنيران

كم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهل وجيران وإخوان

أفناهم الموت واستبقاك بعدهم ... حيا فما أقرب القاصي من الداني

ومعجب بثياب العيد يقطعها ... فأصبحت في غد أثواب أكفان

حتى يعمر الإنسان مسكنه ... مصير مسكنه قبر لإنسان

 

* كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ط ابن حزم

 

 

وظائف شهر شعبان - المجلس الثاني في نصف شعبان

خرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان" وصححه الترمذي وغيره واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به: فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر منهم الرحمن بن المهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه ورده بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين" فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين وقال الأثرم الأحاديث كلها تخالفه يشير كلها تخالفه يشير إلى أحاديث صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذا مخالفا للأحاديث الصحيحة وقال الطحاوي هو منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به وقد أخذ آخرون منهم الشافعي وأصحابه ونهو عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا ثم اختلفوا في علة النهي فمنهم من قال: خشية أن يزاد في شهر رمضان ما ليس منه وهذا بعيد جدا فيما بعد النصف وإنما يحتمل هذا في التقديم بيوم أو يومين ومنهم من قال: النهي للتقوى على صيام رمضان شفقة أن يضعفه ذلك عن صيام رمضان وروي ذلك عن وكيع ويرد هذا صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله أو أكثره ووصله برمضان هذا كله بالصيام بعد نصف شعبان.

وأما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه ففي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلي فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث أخر متعددة وقد اختلف فيها فضعفها الأكثرون وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه ومن أمثلها حديث عائشة قال: فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت فإذا هو بالبقيع رافعا رأسه إلى السماء فقال: "أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله" فقلت يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال: " إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" خرجه الإمام أحمد والترمذي الإمام أحمد ابن ماجه وذكر الترمذي عن البخاري أنه ضعفه.

وخرج ابن ماجه من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليطلع إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن أو قاتل نفس" وخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث معاذ مرفوعا ويروى من حديث عثمان بن أبي العاص مرفوعا: "إذا كان ليلة النصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه فلا يسأل أحد شيئا إلا أعطيه إلا زانية بفرجها أو مشركا" وفي الباب أحاديث أخر فيها ضعف ويروى عن نوف البكالي أن عليا خرج ليلة النصف من شعبان فأكثر الخروج فيها ينظر إلى السماء فقال: إن داود عليه السلام خرج ذات ليلة في مثل هذه الساعة فنظر إلى السماء فقال إن هذه الساعة ما دعى الله أحد إلا أجابه ولا استغفره أحد من هذه الليلة إلا غفر له ما لم يكن عشارا أو ساحرا أو شاعرا أو كاهنا أو عريفا أو شرطيا أو جابيا أو صاحب كوبة أو غرطبة قال نوف: الكوبة الطبل والغرطبة: الطنبور اللهم رب داود اغفر لمن دعاك في هذه الليلة ولمن استغفرك فيها.

وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها وقد قيل أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قبله منهم وافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة وهو قول أصحاب مالك وغيرهم وقالوا: ذلك كله بدعة.

واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:

أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهوية على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ببدعة نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.

والثاني: أنه يكره الإجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى.

وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله إلى البصرة عليك بأربع ليال من السنة فإن الله يفرغ فيهن الرحمة إفراغا أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة الأضحى وفي صحته عنه نظر.

وقال الشافعي رضي الله عنه: بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة والعيدين وأول رجب ونصف شعبان قال: وأستحب كل ما حكيت في هذه الليالي ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين فكذلك قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام.

وروي عن كعب قال: إن الله تعالى يبعث ليلة النصف من شعبان جبريل عليه السلام إلى الجنة فيأمرها أن تتزين ويقول: إن الله تعالى قد اعتق في ليلتك هذه عدد نجوم السماء وعدد أيام الدنيا ولياليها وعدد ورق الشجر وزنة الجبال وعدد الرمال وروى سعيد بن منصور حدثنا أبو معشر عن أبي حازم ومحمد بن قيس عن عطاء بن يسار قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من ليلة النصف من شعبان ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيغفر لعباده كلهم إلا لمشرك أو مشاحن او قاطع رحم فيا من أعتق فيها من النار هنيئا لك المنحة الجسيمة ويا أيها المردود فيها جبر الله مصيبتك هذه فإنها مصيبة عظيمة.

بكيت على نفسي وحق لي البكا ... وما انا من تضييع في شك

لئن قلت أني في صنيعي محسن ... فإني في قولي لذلك ذو إفك

ليالي شعبان وليلة نصفه ... بأية حال قد تنزل لي صكي

وحق لعمري أن أديم تضرعي ... لعل إله الخلق يسمح بالفك

فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في تلك الليلة لذكر الله تعالى ودعائه بغفران الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب وأن يقدم على ذلك التوبة فإن الله تعالى يتوب فيها على من يتوب.

فقم ليلة النصف الشريف مصليا ... فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه

"فكم من فتى قد بات في النصف آمنا ... وقد نسخت فيه صحيفة حتفه

فبادر بفعل الخير قبل انقضائه ... وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه

وصم يومها لله وأحسن رجاءه ... لتظفر عند الكرب منه بلطفه

ويتعين على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة وقد روي: أنها: الشرك وقتل النفس والزنا وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله كما في حديث ابن مسعود المتفق على صحته أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم:

أي الذنب أعظم؟ قال "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خسية أن يطعم معك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تعالى ذلك: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ}[الفرقان: ٦٨]الآية ومن الذنوب المانعة من المغفرة أيضا الشحناء وهي حقد المسلم على أخيه بغضا له لهوى نفسه وذلك يمنع أيضا من المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا" وقد فسر الأوزاعي هذه الشحناء المانعة بالذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن هذه الشحناء أعظم جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا وعن الأوزاعي أنه قال المشاحن كل صاحب بدعة فارق عليها الأمة وكذا قال ابن ثوبان: المشاحن هو التارك لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الطاعن على أمته السافك دماءهم وهذا الشحناء أعني شحناء البدعة توجب الطعن على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم كبدع الخوارج والروافض ونحوهم.

فأفضل الأعمال سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها وأفضلها السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطعن على سلف الأمة وبغضهم والحقد عليهم واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين وإرادة الخير لهم ونصيحتهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وقد وصف الله تعالى المؤمنين عموما بأنهم يقولون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[الحشر: ١٠].

وفي المسند عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "ثلاثة أيام يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فيطلع رجل واحد فاستضافه عبد الله بن عمرو فنام عنده ثلاثا لينظر عمله فلم ير له في بيته كبير عمل فأخبره بالحال فقال له هو ما ترى إلا أني أبيت وليس في قلبي شيء على أحد من المسلمين فقال عبد الله: "بهذا بلغ ما بلغ" وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان" قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ لا بكثرة الإجتهاد في الصوم والصلاة.

إخواني اجتنبوا الذنوب التي تحرم العبد مغفرة مولاه الغفار في مواسم الرحمة والتوبة والإستغفار.

أما الشرك: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}[المائدة: ٧٢]وأما القتل فلو اجتمع أهل السموات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم بغير حق لأكبهم الله جميعا في النار وأما الزنا فحذار حذار من التعرض لسخط الجبار الخلق كلهم عبيد الله وإماؤه والله يغار لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته فمن أجل ذلك حرم الفواحش وأمر بغض الأبصار وأما الشحناء فيا من أضمر لأخيه السوء وقصد له الإضرار: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[٤٢]. يكفيك حرمان المغفرة في أوقات مغفرة الأوزار.

خاب عبد بارز المو ... لى بأسباب المعاصي

ويحه مما جناه ... لم يخف يوم القصاص

يوم فيه ترعد الأقـ ... دام من شيب النواصي

لي ذنوب في ازدياد ... وحياة في انتقاص

فمتى أعمل ما أعـ ... ـلم لي فيه خلاصي

وقد روي عن عكرمة وغيره من المفسرين في قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}[الدخان:٤]أنها ليلة النصف من شعبان والجمهور على أنها ليلة القدر وهو الصحيح وقال عطاء بن يسار: إذا كان ليلة النصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة فيقال: اقبض من في هذه الصحيفة فإن العبد ليغرس الغراس وينكح الأزواج ويبني البنيان وأن اسمه قد نسخ في الموتى ما ينتظر به ملك الموت إلا أن يؤمر به فيقبضه يا مغرورا بطول الأمل يا مسرورا بسوء العمل كن من الموت على وجل فما تدري متى يهجم الأجل.

كل امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله

قال بعض السلف: كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومن مؤمل غدا لا يدركه إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.

أؤمل أن أخلد والمنايا ... تدور علي من كل النواحي

وما أدري وإن أمسيت يوما ... لعلي لا أعيش إلى الصباح

"كم ممن راح في طلب الدنيا أو غدا أصبح من سكان القبور غدا".

كأنك بالمضي إلى سبيلك ... وقد جد المجهز في رحيلك

وجيء بغاسل فاستعجلوه ... بقولهم له أفرغ من غسيلك

ولم تحمل سوى كفن وقطن ... إليهم من كثيرك أو قليلك

وقد مد الرجال إليك نعشا ... فأنت عليه ممدود بطولك

"وصلوا ثم إنهم تداعوا ... لحملك من بكورك أو أصيلك

فلما أسلموك نزلت قبرا ... ومن لك بالسلامة في نزولك

أعانك يوم تدخله رحيم ... رؤوف بالعباد على دخولك

فسوف تجاور الموتى طويلا ... فذرني من قصيرك أو طويلك

أخي لقد نصحتك فاسمع لي ... وبالله استعنت على قبولك

ألست ترى المنايا كل حين ... تصيبك في أخيك وفي خليلك

 

* كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ط ابن حزم

 

 

Top